التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيتيَّ المَنسي


 كانَ ذَلِكَ في أولِ بيتٍ كُنتُ قَد عَرفتُ فيهِ نَفسي، ذَلِكَ البيتُ الذي أشعُرُ أحياناً وكأنّني مُستَعدَّةٌ لِدفعِ أغلى ما لَدي في سبيل العَيشِ فيهِ مرّةً أخرى، بَعدَ أكْثَرَ مِنْ عَشرِ سَنواتٍ عَلَى هَجرِه، والذي لا يَعيهِ أحَدٌ، حتّى أمّي، هو أنّني لَمْ أُشفى بَعدُ مِن فِراقِه، مِنْ التّغييرِ الذي حَصَل، لا أتحَدّثُ عَنهُ كَثيراً، ورُبّما لا أتَحدّثُ عَنهُ أبداً، إلا أنّ ما يَجهَلُهُ الجّميع هو أننّي ما زِلتُ أحفظُ كُلَّ بُقعةٍ فيهِ وأستَذكِرها، ثُمّ يَتولّدُ فيني الحِقدُ عَلى اليَومِ الذي أُجبِرتُ فيهِ عَلى تَركِه.

 

بَعدَ هَجرِنا إيّاهُ بِفَترةٍ طويلة، أُتِيحَت لنا فُرصَةُ زيارَتِهِ مُجدداً، ويا لَيتَها لَمْ تُتَح. أصْبَحنا زُوّاراً لمَنزِلٍ كَانَ لَنا فِي ضِيّافَةٍ أُناسٍ بالكَادِ نَعرِفُهُم، مَا أصعَبَ أنْ تَرى شيئاً كَانَ لَكَ وَقَدْ استَحوَذَ عَليهِ غَيرُك، كُنتُ أتأمّلُ كُلَّ بُقعَةٍ فيهِ وأنا أبحُثُ عَنْ أثرٍ لنا، أو عَلى الأقل بقايا أثر، ولا جَدوى، لَمْ أستَطِع اقتِفاءَ أثرٍ لنا، لَمْ أستَطِع سَماعَ صَدى ضَحِكاتنا، أو دُموعَ جافةَ لنا، كَانَ وكأنَّهُ يَنتَقُمُ مِنّا عَلى هِجرانِه. أظُنُّ أنه هكذا تُعاقِبُ البيوتُ أصحابَها. لَمْ أنسى تَفاصيلَ ذَلِكَ اليومِ المَرير حَتّى الآن، أذكُرُهُ بحذافيرهِ وما زالت الغَصَّةُ ذاتَها فيَّ، رُغْمَ السّنين، وهَلْ السِّنين مِعيارٌ للنِسيان؟ 






تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

٢٦ شباط

السابع   من   شباط،   بقيَ   تسعةَ   عشرَ   يوماً،   كُنتُ   أعلَمُ   أنَّ   ذَلِكَ   سيأتي،   لَكني   لَمْ   أعلَم   أنّهُ   عَجولٌ   بالمجيء،   ك ما   أنّهُ   كانَ   أقسى   ممّا   ظننت .      مرّ   قرابةَ   السّنة،   لَكِنّها   كانَت   قرابةَ   العقد،   تَصدّعت   صورَتَنا   في   السادسِ   والعِشرين،   وما   تَصدّع   لا   يَعودُ   كما   كانَ   أبداً .      استَيقَظتُ   اليوم   على   عاصِفةٍ   ورياحٍ   عاتِية   أتت   لتَنالَ   مِنّي،   كانَت   قد   توشّحَت   بالثُلوج   وأتت   جَسورةً   نَحوي،   لَمْ   يَكُن   هُناك   شيءٌ   ليُوقِفَها،   حتّى   أنّها   حَطّمت   الزُّجاج   الذي   وَقفَ   عائِقاً   في   طَريقِها ...

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...

أمـّاه

  عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟  هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟  هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟  تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك.  أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.  لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما.  لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدة...