تِلكَ الصَّرخةُ الأخيرة، التي اختتمَت بها قصيدَتها بذلك الصَّوت الشّجي العذب، تمَعّن بها أيّها المُستَمِع، دَع رُوحَكَ تستَمعُ إليها، دَع قَلبَك يتَلَمَسُّها، يَشعُرُ بها. لَيست مُجرَدَ لَحنٍ أرادَت إنهاء الأغنيةِ به، لَم تَدع إيقاعَ صَوتِها يأخذُ مَجراهُ حَسبَ اللحنِ المُقرّر، لَم يَكُن الأمر بتِلكَ البَساطة، ليسَ إن استمَعتَ إليهِ بكُلِّ جَوارِحِك. تَشعُرُ كما لو أنّها وَدّت لو تَصرُخُ عَنْ كُلِّ رُوحٍ عانَت ولَم يَكن باستطاعتها الصُّراخ، عَنْ كُلِّ روحٍ كَتَمَت، صَبرَت وتحَمَّلَت ما كانَ يَصعُبُ احتِمالُه. تَشعُرُ أنّها ودّت بصوتِها أن تُوقظ كُلَّ روحٍ راقِدةٍ، غارِقَةٍ في أحزانِها، كما لو أنّها ودّت أن تَقولَ لها اسبحي، كَفاكِ غَرَقاً. تَشعُرُ أنّها ودّت لو تَستطيعُ تَقاسُمَ قَلبِها الكَبير مَع مَنْ أنهَكَتهُ الحياة، فَتُعيدُ لَهُ ولو جِزءٌ يَسيرٌ بالشِّعورِ بالحَياةِ تَنبُضُ في داخِله. لَمْ تَكُن مُجرّدُ أُغنيّة، لَقدْ سَكَبَت مشاعرِها بها، لَمْ تُرِد مِنكَ أن تَسمَعها بأُذنَيكَ وتَشعُرَ بالنّشوةِ المعهودةِ تِلك، أرادَت أن تُخاطِبَكَ أنتَ أيّها الغَريب، أرادَت أن ...
أنا صَديقٌ للحُروف، تَستَهويني اللغات وأغرق في السُّطور. قَلمي سِلاحي والأوراقُ هي دُروعي، أمّا عَنِ الحُروفِ فهي جُنودي، ما إن رأت الفَوضى عَمّت في داخلي، هبّت تُنقِذُ فؤادي مِنَ الهلاك. أنا لا أعرِف طريقاً للتَعبيرِ سِوى بِقَلمي، لا أعرِفُ طريقاً للتَعبير سِوى بالكتابة.