التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2020

مُجرّد موسِيقى

تِلكَ الصَّرخةُ الأخيرة، التي اختتمَت بها قصيدَتها بذلك الصَّوت الشّجي العذب، تمَعّن بها أيّها المُستَمِع، دَع رُوحَكَ تستَمعُ إليها، دَع قَلبَك يتَلَمَسُّها، يَشعُرُ بها.  لَيست مُجرَدَ لَحنٍ أرادَت إنهاء الأغنيةِ به، لَم تَدع إيقاعَ صَوتِها يأخذُ مَجراهُ حَسبَ اللحنِ المُقرّر، لَم يَكُن الأمر بتِلكَ البَساطة، ليسَ إن استمَعتَ إليهِ بكُلِّ جَوارِحِك.  تَشعُرُ كما لو أنّها وَدّت لو تَصرُخُ عَنْ كُلِّ رُوحٍ عانَت ولَم يَكن باستطاعتها الصُّراخ، عَنْ كُلِّ روحٍ كَتَمَت، صَبرَت وتحَمَّلَت ما كانَ يَصعُبُ احتِمالُه. تَشعُرُ أنّها ودّت بصوتِها أن تُوقظ كُلَّ روحٍ راقِدةٍ، غارِقَةٍ في أحزانِها، كما لو أنّها ودّت أن تَقولَ لها اسبحي، كَفاكِ غَرَقاً. تَشعُرُ أنّها ودّت لو تَستطيعُ تَقاسُمَ قَلبِها الكَبير مَع مَنْ أنهَكَتهُ الحياة، فَتُعيدُ لَهُ ولو جِزءٌ يَسيرٌ بالشِّعورِ بالحَياةِ تَنبُضُ في داخِله.  لَمْ تَكُن مُجرّدُ أُغنيّة، لَقدْ سَكَبَت مشاعرِها بها، لَمْ تُرِد مِنكَ أن تَسمَعها بأُذنَيكَ وتَشعُرَ بالنّشوةِ المعهودةِ تِلك، أرادَت أن تُخاطِبَكَ أنتَ أيّها الغَريب، أرادَت أن ...

كورتيزول

مكانٌ جديدٌ مجدداً، قهقهاتٌ عالية تستطيع تَحَسُسَ التّفاهةِ فيها، رُبما بالنّسبةِ لَكَ فقط، ها أنتَ تلتَفتُ يُمنةً ويُسرَةً بعدَما أنهكَتكَ وساوِسُك. ليس هُناكَ أحد، لا أحد بمقرِبةٍ مِنك، لَمْ تَجِد أحداً.  تَعودُ إلى ما كُنتَ مُنهَمِكاً بهِ مِنْ عمل. نَظراتٌ ثاقِبة، ثاقِبةٌ بقوّة، تَستَمرُّ بالتحديقِ بِكَ رُغْمَ كونِها مَزعومة، تَشعُرُ كما لو أنّها تَختَرِقُك، تُحِس بالضَّعفِ لوهلة، ها أنتَ هُنا، وسَطَ هَذا الجوِّ الهادِئ، الذي يتخلله ضحكاتٌ تارةً وأطرافُ أحاديثٍ مَجهولَةٍ تارة، مُنهمِكٌ في ما عَليكَ مِنْ عَمل، تَبدو هادئًا، أليس كذلِك؟ تُحرِكُ يديكَ بشكلٍ بَديهي، ليس هُنالِكَ شيءٌ مُريب، تَعمَلُ بهُدوءٍ فقط.  حسناً، لنَعد إلى الدّاخل، إلى داخِلِك، إلى أعمقِ نُقطةٍ نستطيعُ الوصولَ إليها هُناك، ما زالَتْ تِلكَ النَّظراتُ تُحَدِّقُ بِك، ما زالَ يَتملَكُكَ شُعور الاختراقُ ذاك، تَشعُر كما لو أنّكَ عارٍ وعليكَ بسَترِ نَفسِكَ حالًا.  لَمْ يَتوقَفِ الأمرُ عِندَ الشُّعورِ بالاختراقِ فحسب، ها أنتَ تَبدأ الشُّعورَ بالارتباك، ولكن، تَذكّر نَحنُ ما زلنا هناك، في داخلِك، لَمْ نَخرُج ...

أفكارٌ مُطاردة

  في السّابق كُنتُ أستَغرِبُ مِمّن يَعمَلُ بجدٍ بلا كللٍ أو ملل ويشغلُ مُعظَمَ وقتِه، ولا يريدُ أي إجازة.  كُنتُ أقولُ في نَفسي كيفَ لهُ أن يَعمَلَ بهذا الشّكل؟ مِنْ أينَ لَهُ هذهِ الطّاقة؟ ألا تَنفذ؟ أمّا الآن أدركت... أدركتُ ممّا كانَ يَهرُب، أدركتُ لماذا يُنفِقُ كُلَّ طاقتَهُ ووقتَ فراغِهِ فيعود إلى بيتِه في آخرِ النّهار، متعباً، مُرهقاً، فلا يَلبثُ أن يَنتَهي مِنْ مَأكلِهِ ومشرَبه حتى تَجدَهُ قَد غطَّ في نومٍ عميقٍ لا يَنتَهي إلا في نهارِ عملٍ آخر. لَمْ يكُنْ يَملِكُ الوقتَ الكافي للتفكير بشيءٍ غير ما هو بصدد فِعلِهِ مِنْ عَمَل.  أدرَكتُ أنَّهُ كانَ يهرُبُ من تِلكَ الأفكارِ التّي تُنهكه وتستنفذُ طاقَتَهُ في ساعةٍ واحدة، أكثرُ ممّا يفعَلهُ يومُ عملٍ كامل.  تِلكَ الأفكارُ المُطارِدة التي لا يُمكِنُكَ صَدُّها إلا بإشِغالِ نَفسِكَ والانخراطُ في عمَلٍ آخر. لقد كانَ يَرُيد الهربَ مِنْ أفكارِه، لَمْ يُكُن يُريدُ عملاً أو نجاحاً، كانَ يُريدُ هُروباً، هُروباً مِن تِلك الأطياف الرّمادية، من تِلكَ الأشباح التّي يخافُها أكثَر من أيّ شَخصٍ آخر.  فمَا أن يُرهِقَ نَفسَهُ أ...

ذِكرياتُ الشَّتاء

إنّها آتية، آتيةٌ لا محالة، كالموتِ تأتي، كالقدرِ المَحتوم، ستَتَّخِذُ من رِياحِ الشِّتاء مركبةً لها، ستُثقِلُها. لم تَكُن رِياحُ الشِّتاءِ هي ما يُثلج صَدرَ المَرءِ ويُعيق عِظامَه عَنْ الحَركة، عَلى الأقل أنا لا أظُنُّ ذلك. نظنُّ أنَّهُ بارتداءِ الملابسِ الثقيلةِ والمعاطف نستطيع أن نهزم تلك الرِّيحَ فنخرُجُ مِنْ هذه المعرَكَةِ الضَّارية منصورين، لكنْ لا، الأمرُ أكبَرُ مِنْ ذلك وأعظَم. لا أظُنُّ أنَّ المَرءَ يَخافُ رِياحَ الشِّتاء، إنَّها فقط ذَريعةٌ لإخفاءِ خوفِهِ الحقيقي، ذلك الذي يأخذ في الرَّياح الخَفيفةِ مَكانًا فيَجعَلُ مِنها رِياحًا ثَقيلَةً ذاتَ بردٍ قارصٍ.  إنَّ ما يُخيفني ليس الشِّتاء نَفسُه، ما يُخيفُني هي تِلكَ الرِّياحُ المُحَمَّلةُ بذِكرياتِها، لَم يَسبِق لي أن خِفتُ مِنَ الشِّتاء يومًا، كانَت رِياحهُ تُداعِبُ وَجهي فَتُبرِدُه من حَرِّ ذلِكَ الصَّيفِ الذي جَعلَهُ جافًا. أمَّا اليوم، فأوَدُّ لو أوقِفُ تَيَّار الفُصول، لو أبقى عِندَ حَرِّ ذلِك الصِّيفِ الجَّاف، رُبّما الرّبيع المُزهِر، لَكِنّي لا أُريدُ أيًا مِنْ مَلامِح الشِّتاء.  أخافُ مِنْ جَرفِ الذِّكرياتِ التَ...