التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مُجرّد موسِيقى


تِلكَ الصَّرخةُ الأخيرة، التي اختتمَت بها قصيدَتها بذلك الصَّوت الشّجي العذب، تمَعّن بها أيّها المُستَمِع، دَع رُوحَكَ تستَمعُ إليها، دَع قَلبَك يتَلَمَسُّها، يَشعُرُ بها. 

لَيست مُجرَدَ لَحنٍ أرادَت إنهاء الأغنيةِ به، لَم تَدع إيقاعَ صَوتِها يأخذُ مَجراهُ حَسبَ اللحنِ المُقرّر، لَم يَكُن الأمر بتِلكَ البَساطة، ليسَ إن استمَعتَ إليهِ بكُلِّ جَوارِحِك. 

تَشعُرُ كما لو أنّها وَدّت لو تَصرُخُ عَنْ كُلِّ رُوحٍ عانَت ولَم يَكن باستطاعتها الصُّراخ، عَنْ كُلِّ روحٍ كَتَمَت، صَبرَت وتحَمَّلَت ما كانَ يَصعُبُ احتِمالُه. تَشعُرُ أنّها ودّت بصوتِها أن تُوقظ كُلَّ روحٍ راقِدةٍ، غارِقَةٍ في أحزانِها، كما لو أنّها ودّت أن تَقولَ لها اسبحي، كَفاكِ غَرَقاً. تَشعُرُ أنّها ودّت لو تَستطيعُ تَقاسُمَ قَلبِها الكَبير مَع مَنْ أنهَكَتهُ الحياة، فَتُعيدُ لَهُ ولو جِزءٌ يَسيرٌ بالشِّعورِ بالحَياةِ تَنبُضُ في داخِله. 
لَمْ تَكُن مُجرّدُ أُغنيّة، لَقدْ سَكَبَت مشاعرِها بها، لَمْ تُرِد مِنكَ أن تَسمَعها بأُذنَيكَ وتَشعُرَ بالنّشوةِ المعهودةِ تِلك، أرادَت أن تُخاطِبَكَ أنتَ أيّها الغَريب، أرادَت أن تتقاسَما مَشاعِرَكُما، أن تُلامِسَ قَلبَك فَتَشرَحَ لَكَ ما يُصيبُه، أن تُطَبطِبَ عَلى أحزانِك وتُشعِرَكَ بالانتِماء، أرادَت أن تَصرُخَ عِندما لَمْ تَستطِع أنتَ الصُّراخ، أن تُعَبِّرَ عَندَما خانَك التّعبيرُ وأفلتَت مِنكَ الكَلِمات. 
لَيسَت مُجَرّدُ موسيقى تَتَضَمَّنُ بِضعَ كَلِمات. إنّها رِسالَةٌ لَكَ أيّها الغريب، إنّها طَبطَبَةٌ عَلَيك.
هاهيَ الآن، تُطِلُّ عَلينا بكَلِماتِها، بَصَوتِها الشّجي العَطوف، تأتي لتَمسَحَ عَلى ما قاسَيناه، لِتَجمَعنا مَعاً، تَحتَ رايَةٍ واحِدة، لَتَحكي مَشاعِرنا وقِصَصَ الليالي الطِّوالِ نيابةً عَنّا. هاهي تُطلُّ كشَمسِ النّهارِ بَعد ليلٍ مُرهقٍ طويل، لتَقولَ لنا جَميعاً: لا تَستَسلِم.



نشكرك على زيارتك!

تعليقات

المشاركات الشائعة

٢٦ شباط

السابع   من   شباط،   بقيَ   تسعةَ   عشرَ   يوماً،   كُنتُ   أعلَمُ   أنَّ   ذَلِكَ   سيأتي،   لَكني   لَمْ   أعلَم   أنّهُ   عَجولٌ   بالمجيء،   ك ما   أنّهُ   كانَ   أقسى   ممّا   ظننت .      مرّ   قرابةَ   السّنة،   لَكِنّها   كانَت   قرابةَ   العقد،   تَصدّعت   صورَتَنا   في   السادسِ   والعِشرين،   وما   تَصدّع   لا   يَعودُ   كما   كانَ   أبداً .      استَيقَظتُ   اليوم   على   عاصِفةٍ   ورياحٍ   عاتِية   أتت   لتَنالَ   مِنّي،   كانَت   قد   توشّحَت   بالثُلوج   وأتت   جَسورةً   نَحوي،   لَمْ   يَكُن   هُناك   شيءٌ   ليُوقِفَها،   حتّى   أنّها   حَطّمت   الزُّجاج   الذي   وَقفَ   عائِقاً   في   طَريقِها ...

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...

أمـّاه

  عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟  هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟  هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟  تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك.  أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.  لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما.  لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدة...