التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمـّاه


 عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟ 

هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟ 

هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟ 
تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك. 
أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.
 لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما. 
لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدةُ التي حَلَلتِني، أنا اللُغز الذي عَجِزَ الجّميعُ أمامَه ولَمْ يَقدِر عَلى تَحَمّله، إلا أنتِ تَحمّلتِني وتَقَبّلتِني بعيوبي الطَّاغِيةُ على محاسني. 
أنتِ الصّديقةُ التي أهرعُ إليها كُلّما أصابني أمرٌ ما ولا أحتاجُ معك إلى الكَلِمات، وهَذا ما كُنتُ أستَعذِبُه في اللجوء إليكِ، أنني لَستُ بحاجةٍ للكلام، فأنتِ تَفهمينني.
 لطالَما كُنت ولا زِلتُ سَيئةً بالكلام
 عَنْ ما يُصيبُني، لذلِكَ كُنتِ أنتِ الصّديقةُ الوحيدة لي، لأنني لا أُجيدُ ولا أحُبّ الكلامَ، وأنتِ كُنتِ تُحلّلينَني، بينَما كُنت كأُحجيةٍ استَعصَت عَلى سائرِ النّاس، كَما لو أنني كُنتُ قَلعةً مهجورةً أنتِ الوحيدةُ التي تَملِكُ مفاتيحها، بل تَكادينَ أن تَكوني الوحيدةَ القادِرةَ عَلى إعادَةِ الرّوحِ إليها. 
أمّاه، كَمْ أندَمُ عَلى أوقاتٍ عَصيتُكُ فيها لأجلِ نَزوةٍ صِبيانيَّة، كَمْ أندَمُ عَلى الأوقات التي أحزَنْتُكِ ولَمْ أُجِد الاعتذارَ فيها.
أمّاه، أنتِ ضِيائُنا وبدونِكِ نَحنُ جَسدٌ بلا رُوح، أنتِ مَنْ يَمُدّنا بالحَياة يا أمي، ما تَفعَلينَهُ ليسَ باحتواءٍ ورعايةٍ وإغداقِ الحُب بلا بُخلٍ فَحسب، أنتِ تُمنَحينَ الأشياء الميتةَ روحاً فتُبعَثُ مُزهِرةً، بدونِكِ يا أمّي، لا نَحنُ ولا المَنزِل ولا الشّوارعُ ولا الطّعام والشّراب ولا أيّ شيءٍ في هذه الحياة، لَهُ روح أو لذّة أو طَعم، حتّى لو ذَهبنا لأبهى بِقاع الأرض سَنَجِدُهُا باهتةً بدونِ رُوحَكِ المُزهِرة النّابضةُ بالحياة. 
كُلّ عامٍ وأنتِ للخير .. خيراً يا أمّي، كُلّ عامٍ وأنتِ بقربنا وسندنا في الدنيا بعد الله، كُلّ عامٍ وأنتِ تَمْنَحينَ الحياةَ فوق نَعيمِها روحاً، نَدعو الله أن لا يَحرِمنا مِنْ وَجهِكِ المُضيئ فتُظلِمَ الدُّنيا عَلينا. 
دُمتِ بخيرٍ، أحبكِ أمي.

نشكرك على زيارتك!


 


تعليقات

المشاركات الشائعة

٢٦ شباط

السابع   من   شباط،   بقيَ   تسعةَ   عشرَ   يوماً،   كُنتُ   أعلَمُ   أنَّ   ذَلِكَ   سيأتي،   لَكني   لَمْ   أعلَم   أنّهُ   عَجولٌ   بالمجيء،   ك ما   أنّهُ   كانَ   أقسى   ممّا   ظننت .      مرّ   قرابةَ   السّنة،   لَكِنّها   كانَت   قرابةَ   العقد،   تَصدّعت   صورَتَنا   في   السادسِ   والعِشرين،   وما   تَصدّع   لا   يَعودُ   كما   كانَ   أبداً .      استَيقَظتُ   اليوم   على   عاصِفةٍ   ورياحٍ   عاتِية   أتت   لتَنالَ   مِنّي،   كانَت   قد   توشّحَت   بالثُلوج   وأتت   جَسورةً   نَحوي،   لَمْ   يَكُن   هُناك   شيءٌ   ليُوقِفَها،   حتّى   أنّها   حَطّمت   الزُّجاج   الذي   وَقفَ   عائِقاً   في   طَريقِها ...

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...