كانَ ذَلِكَ في أولِ بيتٍ كُنتُ قَد عَرفتُ فيهِ نَفسي، ذَلِكَ البيتُ الذي أشعُرُ أحياناً وكأنّني مُستَعدَّةٌ لِدفعِ أغلى ما لَدي في سبيل العَيشِ فيهِ مرّةً أخرى، بَعدَ أكْثَرَ مِنْ عَشرِ سَنواتٍ عَلَى هَجرِه، والذي لا يَعيهِ أحَدٌ، حتّى أمّي، هو أنّني لَمْ أُشفى بَعدُ مِن فِراقِه، مِنْ التّغييرِ الذي حَصَل، لا أتحَدّثُ عَنهُ كَثيراً، ورُبّما لا أتَحدّثُ عَنهُ أبداً، إلا أنّ ما يَجهَلُهُ الجّميع هو أننّي ما زِلتُ أحفظُ كُلَّ بُقعةٍ فيهِ وأستَذكِرها، ثُمّ يَتولّدُ فيني الحِقدُ عَلى اليَومِ الذي أُجبِرتُ فيهِ عَلى تَركِه. بَعدَ هَجرِنا إيّاهُ بِفَترةٍ طويلة، أُتِيحَت لنا فُرصَةُ زيارَتِهِ مُجدداً، ويا لَيتَها لَمْ تُتَح. أصْبَحنا زُوّاراً لمَنزِلٍ كَانَ لَنا فِي ضِيّافَةٍ أُناسٍ بالكَادِ نَعرِفُهُم، مَا أصعَبَ أنْ تَرى شيئاً كَانَ لَكَ وَقَدْ استَحوَذَ عَليهِ غَيرُك، كُنتُ أتأمّلُ كُلَّ بُقعَةٍ فيهِ وأنا أبحُثُ عَنْ أثرٍ لنا، أو عَلى الأقل بقايا أثر، ولا جَدوى، لَمْ أستَطِع اقتِفاءَ أثرٍ لنا، لَمْ أستَطِع سَماعَ صَدى ضَحِكاتنا، أو دُموعَ جافةَ لنا، كَانَ وكأنَّهُ يَنتَقُمُ مِن...
أنا صَديقٌ للحُروف، تَستَهويني اللغات وأغرق في السُّطور. قَلمي سِلاحي والأوراقُ هي دُروعي، أمّا عَنِ الحُروفِ فهي جُنودي، ما إن رأت الفَوضى عَمّت في داخلي، هبّت تُنقِذُ فؤادي مِنَ الهلاك. أنا لا أعرِف طريقاً للتَعبيرِ سِوى بِقَلمي، لا أعرِفُ طريقاً للتَعبير سِوى بالكتابة.