التخطي إلى المحتوى الرئيسي

٢٦ شباط


السابع من شباط، بقيَ تسعةَ عشرَ يوماً، كُنتُ أعلَمُ أنَّ ذَلِكَ سيأتي، لَكني لَمْ أعلَم أنّهُ عَجولٌ بالمجيء، كما أنّهُ كانَ أقسى ممّا ظننت.  
 
مرّ قرابةَ السّنة، لَكِنّها كانَت قرابةَ العقد، تَصدّعت صورَتَنا في السادسِ والعِشرين، وما تَصدّع لا يَعودُ كما كانَ أبداً.  
 
استَيقَظتُ اليوم على عاصِفةٍ ورياحٍ عاتِية أتت لتَنالَ مِنّي، كانَت قد توشّحَت بالثُلوج وأتت جَسورةً نَحوي، لَمْ يَكُن هُناك شيءٌ ليُوقِفَها، حتّى أنّها حَطّمت الزُّجاج الذي وَقفَ عائِقاً في طَريقِها نَحوي، كانَت مُصرّةً على تذكيري بالصَّدعِ الذي أحدثتُهُ قبلَ عام.  
 
نَعَم، جَميعُنا يَعلَم، لَقدْ كانَ خطأي، الذي لَم أجِد لَهُ مُبرراً حَتّى لنَفسي، ورُغمَ أننّا حاولنا جاهدَينِ إعادَةَ الصّورَةِ كما كانَت، إلا أن ماتصدَّع وإن عاد، فلا يَعودُ كما كان، وهذا ما حَصَل، بذلنا قُصارى جُهدِنا لإعادتها، لَكنّها تَحطّمَت، ومَا كُسِر لا يَعود، ليسَ كما كان، بَلْ لن يَعودَ أبَداً.  
 
كُنتَ أنتَ، الإنسانُ الوحيد الذي استطعتُ مَعَهُ أن أكونَ أنا، الإنسانُ الوحيد الذي أحببتُ الكلامَ مَعَه وأنا الكارِهةُ للأحاديث، كانَ الحَديثُ مَعكَ سلِساً كالتَّنَفُّس، كُنتَ الوحيد الذي لَمْ أُضطرّ مَعَهُ أن أتكبّدَ عناء التّفكيرِ فيما سأقول.  
 
جاءَ حُبّكَ في لحظةٍ وباغتَني، وكُنتُ أعلَمُ أنّكَ أنقى مِنْ أن أكونَ مَعَك، أنا المُثقَلَةُ بالهُموم، أنا التي لا تَصلُحُ لشيءٍ إلا للكُتُبِ ولا تُسعِدُ إلا مُدَرِّسيها، لَكنني قامَرت، وراهنتُ على حُبّك، ورِهانُ الحُبِّ نادِراً ما يَفوز، وكُنتُ أعي ذَلِكَ جيّداً، لَكنني جازَفتُ والآنَ أُدرِكُ أننّي لَمْ أُجازِف إلا بِك، وبأملٍ أخيرٍ انطَفئَ مَع رحيلِك.  
 
كانَ يَجِبُ أن أترُككَ في نُقطَةٍ ما، أن أُحرركَ مِن أفعالي المُتعاكِسةُ مَعَ مشاعِري، أن أُعتِقَكَ مِنْ تحمّلُ تناقُضي، وكُلّما بَقيتُ مَعكَ أكثر، تغلغلتَ بي أكثر، حَتّى لَمْ يكُن للطُمأنينةِ مكانٌ إلا مَعَك، ولَمْ يَكُن للحَديثِ حلاوةً إلا مِن لسانك، أمّا السّعادة فكانَت ثَغرَكَ المُتَبسّم، كُنتَ مُلهِمي الوَحيد فما امتلأَ قَلَمي حِبراً إلا بوقوعِكَ في قَلبي، أمْ لعلّهُ وقوعي بِك.  
 
احتويتَني بِكُلِّ مافيّ، وتحمّلتَني وعُيوبي التي لا تُطاق، ولَمْ أستَطِع أنا أن أفعل رُبعَ الرُّبعِ ممّا فَعلتَهُ لأجلي، أردتُ أن أضمّكَ فكانَت الأشواكُ تَخرج لَتُجَرِّحَك، ولا أعلَمُ لماذا، هَل أنا انفصامية؟  
كانَت هُناكَ ليالٍ طوال سهِرتُ أُفكّرُ بالسَّبب، ولَمْ أجِد لَهُ جواباً، حَتّى اعتنقتُ وآمَنتُ باحتِمالِ كوني انفصامِيّةً أو مجنونة، فليس هنالك تَفسيرٌ غيره.  
 
 كانَ يأكُلُني الرُّعبُ حينَ أُفكِّرُ في احتماليّةِ أننّي لَمْ أُحبِبْكَ مِنَ الأساس، رَفضتُها عَلى الفَور، لَمْ يكن هُناكَ مَجالٌ لتَصديقِ احتماليّةٍ كهذه، ليسَ وقلبي كانَ يَعتَصِرُ حينَ تُناديني بِروحي، نَعمْ روحي، كانَ أعذَبَ وأدفأَ شيءٍ قد وُجِّهَ إليَ على الإطلاق، كانَت تلك الكلمة تملَؤني بالرِّضى و تُشعرني كأنَّ فراشاتٍ ومدناً كامِلَةً تَحيى في داخِلي، كانَ يُشعِرُني أنّ الشَّمسَ ستَبقى دافِئةً وأنّ قمَرَ الليالي الصّافيَةِ سيبقى ساطِعاً، بَلْ وكأنَّه لا وُجود إلا لفصلِ الصَّيفِ الدّافِئ، المُفعَمِ بالحيويّة.  
 
عَلى ذكر الصَّيف، فإنَّ الصَّيفَ في غيابِ الأحبابِ يفقِدُ دفئه، والشِّتاءُ في وُجودِهِم يكتسبُ دفئاً . لَقدْ رَحلتَ في عزِّ الصِّيف فَكُنتَ وكأنّكَ أخذتَ شَمسَ عالَمي مَعَك، فما بالُكَ الآن بعواصِفِ الشِّتاء التي تَلفَحُني بذِكراك؟  
 
واجَهتُ الجّميع، وكُلَّ الأحداث، وإن أردتُ سردَها لَتعبت وأتعبتُ المُستَمِع، أمّا أنت، فَقَدْ وَصلْتَ إلى كينونَتي فكيفَ لي أن أُواجِهَك؟  
بعدَ فِراقِك أصبَحَ النّومُ صديقي، كُنتُ أنام وأنام وأنام علّهُ يكونُ حُلماً، أو كُنتُ أريدُ مَهرَباً مِنْ ذَلِك.  
 
بل لأُصدِقَكَ القول، فقد كانَت هُناكَ أوقاتٌ كُنتُ قد فَقَدتُ فيها الأمل، وأردتُ نوماً ما بَعدَه صَحوة، لَكِنّ هذا لَمْ يُكتَب في قدري، إنّما كُتِبَ لي أن أتلوّى ندَماً.  
 
بعدَ أن أيقَنتُ أنَّ النّومَ لَن يُجدي نَفعاً، فكانَ خيالُكَ يلازِمُني في أحلامي.  
اختَرتُ إجهادَ نَفسي بأيّ شيء، وإن كانَ كُلُّ شيءٍ يُتعبُني دونَ ابتِسامَتِكَ المُشعّة، التي مِلؤُها الأمل، كانَت تَشحَنُني بالطّاقةِ فأشعُرُ أننّي قادِرة على فعلِ كُلَّ شيء وبلا تَوقّف، ومعَ ذَلِك، فلَم أعرِف كَيفَ أصنَعُ مَعك لأُريحكَ لا لأُشقيك، كانَت وكأنَّ الدُّنيا كُلَّها أجمَعت على أن تُشعِرني بالنّدمِ لخسارَتِك.  
 
السادسُ والعشرونَ مِنْ شباط، كَمْ خِفتُ قُدومَ هذا اليوم، وإعادَةَ دورَةِ الأيامِ التي جَمَعتنا، دَخلتُ سنةً جديدةً بثِقلٍ ووهن بَلْ بخوفٍ من إعادَةِ دورةِ الأيام. ومُشكِلَتي يا عزيزي أننّي أستذكِرُ التَّواريخَ جيداً، وياليتَه كانَ ذَلِكَ فقط، بل والأحاسيسَ أيضاً والذكريات، أحياناً لا تُعذبُنا متاعِبُ الدُّنيا، بل ذِكرياتُنا.  
 
أمّا الآن، فَقَدْ بدأتُ أفقِدُ الأمَلَ في اجتماعنا، وقَدْ تَوقّفتُ عَنْ الدُّعاءِ مُنذُ فترة، وهذا يُرعِبُني، أن أتخلّى عَنْ أملٍ كُنتُ قَدْ تَمسّكتُ بهِ طويلاً. 
 
لَمْ أعُد أبكي كثيراً يا حبيبي، أما قَلبي فما زالَ يَعتصِرُ ألماً، ويحتَرِقُ في نارِ النَّدَم والأمَلِ الكاذِب، وأتساءلُ ياعزيزي هل الأمَلُ يُحيينا أم يُعذِّبنا؟  
 
أُوهِمُ نَفسي بالنّجاحِ والقُوّة والأفكارِ الإبداعية لمشروعٍ مُستَقبلي، وأنا أعلَمُ أن كُلَّ هذا لا قيمةَ لَهُ ما لَمْ يَكُن هناكَ أهلٌ و أحبابٌ أشارِكُهُم فرحتي ونجاحي، فأمّا الأهلُ فموجودونَ بالكاد، و أمّا الأحبابُ فَقَدْ هزَمتَهُم فلا حبيبَ يملأُ مَكانَك. 
 
كَمْ هو صعبٌ التَّقبُل والمُضي دونَ شخصٍ كانَ قِطعةً مِنْ روحك يوماً ما، أم أقولُ كَمْ هو صَعبٌ قتلُهُ في داخِلكَ وهو حيٌّ يُرزَق؟  
 
حينَ افترقنا كُنتُ أسألُ الله أن يهديَني وأن يربِطَ على قَلبي باستِمرار، كُنتُ أعلَمُ أننّي سأجنُّ إن لَم يربِط اللهُ على قَلبي، وأحمَدُ الله عَلى لُطفِهِ واستِجابَتِه. 
 
ما زِلتُ أذكُرُ قَبلَ السادِس والعشرين باثني عشَرَ يوماً، كيفَ كُنّا نَضحَكُ على الذينَ يَحتَفِلون بعيدِ الحُب، كَما قد أزعجتْنا ضجّته.  
كَمْ تمضي هذه الدُّنيا بِسُرعة وكَمْ تَغدُرِ الحياةُ بنا وهي ضاحِكة.  
 
السّادس والعشرون مِن شباط، أعلَمُ يقيناً أنَّ هذا اليومَ لن يَمُرّ مرورَ الكِرام.




تعليقات

  1. وما كُسر لا يعود

    ردحذف
  2. عند كتابتي للتعليق الاول كنت امر بمشكله كبيره احسست ان كل ما حولي قد تحطم قد انهار بشكل كلي لكن الان اريد ان اخبرك انه عاد كما كان وربما افضل لا اعلم، على اي حال اردت اخبارك بان الامر سيكون على ما يرام ثقي بذلك دوما
    وامر اخير استمري من اجل نفسك ليس من اجل احد اخر انت اقوى و اعظم مما تتصوري .

    معجب بكتاباتك ...

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...

أمـّاه

  عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟  هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟  هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟  تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك.  أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.  لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما.  لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدة...