التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذِكرياتُ الشَّتاء


إنّها آتية، آتيةٌ لا محالة، كالموتِ تأتي، كالقدرِ المَحتوم، ستَتَّخِذُ من رِياحِ الشِّتاء مركبةً لها، ستُثقِلُها. لم تَكُن رِياحُ الشِّتاءِ هي ما يُثلج صَدرَ المَرءِ ويُعيق عِظامَه عَنْ الحَركة، عَلى الأقل أنا لا أظُنُّ ذلك. نظنُّ أنَّهُ بارتداءِ الملابسِ الثقيلةِ والمعاطف نستطيع أن نهزم تلك الرِّيحَ فنخرُجُ مِنْ هذه المعرَكَةِ الضَّارية منصورين، لكنْ لا، الأمرُ أكبَرُ مِنْ ذلك وأعظَم. لا أظُنُّ أنَّ المَرءَ يَخافُ رِياحَ الشِّتاء، إنَّها فقط ذَريعةٌ لإخفاءِ خوفِهِ الحقيقي، ذلك الذي يأخذ في الرَّياح الخَفيفةِ مَكانًا فيَجعَلُ مِنها رِياحًا ثَقيلَةً ذاتَ بردٍ قارصٍ.

 إنَّ ما يُخيفني ليس الشِّتاء نَفسُه، ما يُخيفُني هي تِلكَ الرِّياحُ المُحَمَّلةُ بذِكرياتِها، لَم يَسبِق لي أن خِفتُ مِنَ الشِّتاء يومًا، كانَت رِياحهُ تُداعِبُ وَجهي فَتُبرِدُه من حَرِّ ذلِكَ الصَّيفِ الذي جَعلَهُ جافًا.

أمَّا اليوم، فأوَدُّ لو أوقِفُ تَيَّار الفُصول، لو أبقى عِندَ حَرِّ ذلِك الصِّيفِ الجَّاف، رُبّما الرّبيع المُزهِر، لَكِنّي لا أُريدُ أيًا مِنْ مَلامِح الشِّتاء. 

أخافُ مِنْ جَرفِ الذِّكرياتِ التَّي أصبَحَت بارِدةً فَصَقَلتِ الرِّيح بِبَردِها، وإنَّ بَردَ الذِّكرياتِ لَزَمهَريرُ. 


نشكرك على زيارتك!

تعليقات

المشاركات الشائعة

٢٦ شباط

السابع   من   شباط،   بقيَ   تسعةَ   عشرَ   يوماً،   كُنتُ   أعلَمُ   أنَّ   ذَلِكَ   سيأتي،   لَكني   لَمْ   أعلَم   أنّهُ   عَجولٌ   بالمجيء،   ك ما   أنّهُ   كانَ   أقسى   ممّا   ظننت .      مرّ   قرابةَ   السّنة،   لَكِنّها   كانَت   قرابةَ   العقد،   تَصدّعت   صورَتَنا   في   السادسِ   والعِشرين،   وما   تَصدّع   لا   يَعودُ   كما   كانَ   أبداً .      استَيقَظتُ   اليوم   على   عاصِفةٍ   ورياحٍ   عاتِية   أتت   لتَنالَ   مِنّي،   كانَت   قد   توشّحَت   بالثُلوج   وأتت   جَسورةً   نَحوي،   لَمْ   يَكُن   هُناك   شيءٌ   ليُوقِفَها،   حتّى   أنّها   حَطّمت   الزُّجاج   الذي   وَقفَ   عائِقاً   في   طَريقِها ...

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...

أمـّاه

  عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟  هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟  هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟  تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك.  أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.  لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما.  لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدة...