إنّها آتية، آتيةٌ لا محالة، كالموتِ تأتي، كالقدرِ المَحتوم، ستَتَّخِذُ من رِياحِ الشِّتاء مركبةً لها، ستُثقِلُها. لم تَكُن رِياحُ الشِّتاءِ هي ما يُثلج صَدرَ المَرءِ ويُعيق عِظامَه عَنْ الحَركة، عَلى الأقل أنا لا أظُنُّ ذلك. نظنُّ أنَّهُ بارتداءِ الملابسِ الثقيلةِ والمعاطف نستطيع أن نهزم تلك الرِّيحَ فنخرُجُ مِنْ هذه المعرَكَةِ الضَّارية منصورين، لكنْ لا، الأمرُ أكبَرُ مِنْ ذلك وأعظَم. لا أظُنُّ أنَّ المَرءَ يَخافُ رِياحَ الشِّتاء، إنَّها فقط ذَريعةٌ لإخفاءِ خوفِهِ الحقيقي، ذلك الذي يأخذ في الرَّياح الخَفيفةِ مَكانًا فيَجعَلُ مِنها رِياحًا ثَقيلَةً ذاتَ بردٍ قارصٍ.
إنَّ ما يُخيفني ليس الشِّتاء نَفسُه، ما يُخيفُني هي تِلكَ الرِّياحُ المُحَمَّلةُ بذِكرياتِها، لَم يَسبِق لي أن خِفتُ مِنَ الشِّتاء يومًا، كانَت رِياحهُ تُداعِبُ وَجهي فَتُبرِدُه من حَرِّ ذلِكَ الصَّيفِ الذي جَعلَهُ جافًا.
أمَّا اليوم، فأوَدُّ لو أوقِفُ تَيَّار الفُصول، لو أبقى عِندَ حَرِّ ذلِك الصِّيفِ الجَّاف، رُبّما الرّبيع المُزهِر، لَكِنّي لا أُريدُ أيًا مِنْ مَلامِح الشِّتاء.
أخافُ مِنْ جَرفِ الذِّكرياتِ التَّي أصبَحَت بارِدةً فَصَقَلتِ الرِّيح بِبَردِها، وإنَّ بَردَ الذِّكرياتِ لَزَمهَريرُ.

تعليقات
إرسال تعليق