التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كورتيزول


مكانٌ جديدٌ مجدداً، قهقهاتٌ عالية تستطيع تَحَسُسَ التّفاهةِ فيها، رُبما بالنّسبةِ لَكَ فقط، ها أنتَ تلتَفتُ يُمنةً ويُسرَةً بعدَما أنهكَتكَ وساوِسُك. ليس هُناكَ أحد، لا أحد بمقرِبةٍ مِنك، لَمْ تَجِد أحداً. 

تَعودُ إلى ما كُنتَ مُنهَمِكاً بهِ مِنْ عمل. نَظراتٌ ثاقِبة، ثاقِبةٌ بقوّة، تَستَمرُّ بالتحديقِ بِكَ رُغْمَ كونِها مَزعومة، تَشعُرُ كما لو أنّها تَختَرِقُك، تُحِس بالضَّعفِ لوهلة، ها أنتَ هُنا، وسَطَ هَذا الجوِّ الهادِئ، الذي يتخلله ضحكاتٌ تارةً وأطرافُ أحاديثٍ مَجهولَةٍ تارة، مُنهمِكٌ في ما عَليكَ مِنْ عَمل، تَبدو هادئًا، أليس كذلِك؟ تُحرِكُ يديكَ بشكلٍ بَديهي، ليس هُنالِكَ شيءٌ مُريب، تَعمَلُ بهُدوءٍ فقط. 
حسناً، لنَعد إلى الدّاخل، إلى داخِلِك، إلى أعمقِ نُقطةٍ نستطيعُ الوصولَ إليها هُناك، ما زالَتْ تِلكَ النَّظراتُ تُحَدِّقُ بِك، ما زالَ يَتملَكُكَ شُعور الاختراقُ ذاك، تَشعُر كما لو أنّكَ عارٍ وعليكَ بسَترِ نَفسِكَ حالًا. 
لَمْ يَتوقَفِ الأمرُ عِندَ الشُّعورِ بالاختراقِ فحسب، ها أنتَ تَبدأ الشُّعورَ بالارتباك، ولكن، تَذكّر نَحنُ ما زلنا هناك، في داخلِك، لَمْ نَخرُج بَعد، على الأقل ليسَ تمامًا. تَمَعّن في التّخَيُّلِ بَعد، انظر، إنّكَ تلتَفِتُ يُمنةً، ثم أخرى يُسرةً، في الواقِع، لَمْ تَكُفّ عِنْ الالتِفاتِ، ها أنتَ تُديرُ رأسَكَ إلى الخلف. 
دَعنا نُلقي نظرةً عَليكَ مِنْ الخارِج، تَبدو كَما لو أنَّك أضَعتَ شيئاً وبدأتَ البَحثَ عَنهُ باستماتة، لَكِنَكَ لَم تَجِدْ شيئاً فعُدتَ إلى عَمَلِكَ بِكُلِّ هِدوء. 
لَقدْ كُنتَ تَبحَثُ باستماتةٍ، كالعَطِش وِسطَ الصّحراء، كالطّفلِ الضّائع الذي يَبحَثُ عَنْ والِدتِه، كاليائسِ الذي يَبحَثُ عِنْ جُرعةِ أملٍ بسيطةٍ تُعيدُهُ إلى الحياة، لَقدْ كُنتَ تُنَقِّبُ بنظراتِكَ الحَذرة، عَنْ تِلكَ النّظراتِ الثّاقِبة، تُودُّ لو تَعرِف مَكانها، مصدَرها، تُريدُ أن تُطفئها وتوقِفها عَنْ اختِراقِك أكثر. 

بدأت تِلكَ المشاعر بالتّسللِ إلى الخارِج، هاهي آتية كالفيضان. 
تبدأ بالارتباك، وبالخَوف مِنْ ارتِكابِ أي خَطأٍ أثناءَ عَملِك، تُريدُ أن يَكونَ عَمَلُكَ هو المثالي، لأجلِ أن تجعَلَ تِلكَ النّظرات تتلاشى وتَخضَع، أو على الأقل أن تُخفِف مِنْ حِدَّتها. 
سَتَبدأ بإسقاطِ الأشياء، شيء، شيئين، ثلاثة، كُلُّ هذا نَتيجةً لارتباكِك، لا تَستطيعُ إيقافَ ذلِك، تتمنى، لَكِن لا تستطيع. 
شَخصٌ ما آتٍ باتجاهِك، تَصرِفُ نَظراتِكَ عَنه، تتمنى وتدعو في جَوفِكَ أن لا يَنطُقَ مَعكَ بكَلِمة، لكِنَّهُ للأسفِ يَفعل. يَرتَجِفُ صَوتُكَ قليلًا وتتخبَطُّ الجُمَلُ في عَقلِك، أصابِعَكَ تَلعَبُ وتَلهو مَعْ بَعضِها دونَ أن تستطيعَ إيقافها وكَفِّها عَنْ ذلِك. 
لَقدْ فَرَغَ مِنْ كلامِه، تسألُ نَفسَك، بماذا عَليّ أن أجيب؟ لَقدْ فَهِمتُه، لماذا أشعُرُ بعَدَمِ ذلِك؟ تَدورُ في أرضِكَ مِنْ فَرطِ ارتباكِك، تتمتم ببضعِ كَلِماتٍ تَبدو مُبهمَةً وقَدْ خرَجَتْ بدونِ وَعيٍ مِنك، لا تتبَدَلُ إجابَتُكْ إلا عِندما يُحاولُ ذَلِكَ الشّخصُ التّأكيدَ عليها، ستكونُ مَحظوظاً لو كانَت صحيحةً هي الأُخرى. 

لَقدْ تَعبت، أليس كذلك؟ لا تَقلق، لَقدْ انقضى هذا اليوم، بعدَ إفرازِ كَمِيَّاتٍ هائلَةٍ مِنْ الكورتيزول، بعد كُلّ هذا الارتباك والقلق. 
بالمُناسَبة، لَمْ ولَنْ تَرحَل تِلكَ النّظراتُ بَعد، إلا بَعدَ أن تتجاوَزَ ذَلِكَ المكان، وتبتعدَ عَنْ كُلِّ ما يَمتُّ لهُ بصِلة. هكذا ينقضي اليوم بعد كل هذا الإرهاق، وتعودُ إلى فراشِك، مستسلِماً، خاضِعاً لَه، ليسَت لَدَيكَ الطّاقَةُ لخَطوِ خُطوةٍ أُخرى، مهما كانَت صغيرة.


نشكرك على زيارتك!

تعليقات

المشاركات الشائعة

٢٦ شباط

السابع   من   شباط،   بقيَ   تسعةَ   عشرَ   يوماً،   كُنتُ   أعلَمُ   أنَّ   ذَلِكَ   سيأتي،   لَكني   لَمْ   أعلَم   أنّهُ   عَجولٌ   بالمجيء،   ك ما   أنّهُ   كانَ   أقسى   ممّا   ظننت .      مرّ   قرابةَ   السّنة،   لَكِنّها   كانَت   قرابةَ   العقد،   تَصدّعت   صورَتَنا   في   السادسِ   والعِشرين،   وما   تَصدّع   لا   يَعودُ   كما   كانَ   أبداً .      استَيقَظتُ   اليوم   على   عاصِفةٍ   ورياحٍ   عاتِية   أتت   لتَنالَ   مِنّي،   كانَت   قد   توشّحَت   بالثُلوج   وأتت   جَسورةً   نَحوي،   لَمْ   يَكُن   هُناك   شيءٌ   ليُوقِفَها،   حتّى   أنّها   حَطّمت   الزُّجاج   الذي   وَقفَ   عائِقاً   في   طَريقِها ...

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...

أمـّاه

  عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟  هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟  هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟  تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك.  أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.  لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما.  لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدة...