التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثّامن والعشرين مِن آب

 

اليوم هو الثامن والعشرين من آب عام ٢٠١٨ اليوم الذي بدء بقسم حياتي إلى نصفين أصبحتُ أسميهما؛ قبل الزرع وبعد الزرع.  

  

لا أذكر تفاصيلاً كثيرةً لهذا اليوم سوى الخوف الذي بدأ آنذاك يعتريني رغمَ مظهري القوي. كان عليّ أن أكون قوية وأن لا أفقد رباطة جأشي، ليس الآن، ليس بعد كل شيء!  

  

ما أذكره أيضاً هو ارتدائي لبيجامتي النيلية المفضلة وتجولي في ذلك القسم الذي حُبستُ في إحدى غرفه لشهرين بعد ذلك. كنتُ أشعر بالبرد القارص كعادتي عندما أكون خائفةً أو منزعجة، رغم أن الوقت كان صيفاً. دائماً ما ارتبط البرد والشتاء بالمشاعر السيئةِ لدي، حتى أصبحت أكره الشتاء وأراه أكثر الفصولِ كآبةً.  

  

تجولت في مطبخ القسم، المخصص لأهالي المرضى المقيمين، لكن سُرعان ما طُردت منه لحملي فيروساً لا يجبُ أن يُنقل للمرضى الآخرين. كنتُ وأمي قد وضعنا علبة فيها "اليالنجي" الذي جلبناه معنا من مكان إقامتنا. لكن في الأيام التالية كنتُ قد طلبته وأخبرتني أمي أنه قد تم رميه. أردت حينها أن أبكي، وكأنه كان التذكار الوحيد الذي جلبته معي، وكأنه كان حبل النجاة الوحيد من هذا المكان، بل وكأنه كان اللُحاف الذي سيقيني من البرد!  

  

كنتُ أعرف بأنني سأنقطع عن العالم كلياً ما إن تبدأ العملية، كما كنتُ موقنةً بأنني لن أعرف ما سيكون مصيري عندما أخوض هذه العملية.  

كنت مضطربةَ المشاعر، وأتظاهرُ بالقوةِ كعادتي، كنتُ خائفةً من النوم تحت الأضواء الدائرية تلك واستنشاقُ ذلك المخدرَ مرةً أخرى.  

كان ذلك بالنسبة لي كابوساً أعيشهُ مرةً أخرى، ولم أستطع شرح ذلك لأحد.




تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

٢٦ شباط

السابع   من   شباط،   بقيَ   تسعةَ   عشرَ   يوماً،   كُنتُ   أعلَمُ   أنَّ   ذَلِكَ   سيأتي،   لَكني   لَمْ   أعلَم   أنّهُ   عَجولٌ   بالمجيء،   ك ما   أنّهُ   كانَ   أقسى   ممّا   ظننت .      مرّ   قرابةَ   السّنة،   لَكِنّها   كانَت   قرابةَ   العقد،   تَصدّعت   صورَتَنا   في   السادسِ   والعِشرين،   وما   تَصدّع   لا   يَعودُ   كما   كانَ   أبداً .      استَيقَظتُ   اليوم   على   عاصِفةٍ   ورياحٍ   عاتِية   أتت   لتَنالَ   مِنّي،   كانَت   قد   توشّحَت   بالثُلوج   وأتت   جَسورةً   نَحوي،   لَمْ   يَكُن   هُناك   شيءٌ   ليُوقِفَها،   حتّى   أنّها   حَطّمت   الزُّجاج   الذي   وَقفَ   عائِقاً   في   طَريقِها ...

كيميائُك

ذلك الدِّفئ الذي اختلجَ صَدري منذ إحساسي بالحَرفِ الأول مِن جُملَتِك، ذلكَ الشّعور اللطيف، الغريب الذي اقتَحَمَ صَدري مُعلناً حالةً مِنْ الهُدوءِ والهِدنة، وكَأنَّهُ تِلك المُعجزةُ التي تُوقِفُ المعارِكَ رُغماً عَنْ ضراوَتِها، أوقَفَ معاركَ وحُروباً ضاريةً استمرت لأيامَ ، أسابيعَ وشهوراً، فَتَكَت بي وقاتَلَت صَبري.  وكأنَّ كَلِمَةً مِنكَ جاءت كالمَطرِ بعد سَنواتٍ قاحلةٍ لتَروي ظَمأَ أرضي، كأنّها الشَّمسُ بَعدَ ليلٍ طويلٍ، حالكٍ وقاسٍ لا يَرحَم، كأنَّها نسيمُ الصَّيفِ اللطيف يُداعبُني بَعدَ عواصِفِ الشِّتاء العاتية.  كَلمَةٌ مِنك، كَلِمَةٌ واحِدة، كانَت كافيةً لتَجديدِ الحياةِ في عينيّ. كَلِمَتُك ليسَتْ مُجرّدَ كَلِمة، وحَديثُك ليسَ مُجرّدَ حديثٍ عابرٍ وانقضى ونسيتُ ما كان بهِ مِنْ أُمور، إنّما هوَ لَيسَ بمُجرّدِ حَديث، كَلِماتُك كانَت ألواناً وألحاناً أعادَت للحياةِ لونَها وموسيقاها في عَينيّ.  أتَتخَيّل؟ تستَطيعُ كَلِماتُك، وأنا أقول كَلِماتُك أنتَ وَحدَك دونَ سِواك، تَستطيع إعادةَ سكينةٍ إلى صَدري، ورضاً إلى قلبي وألواناً وألحاناً إلى حياتي.  بالله، بالله عَلَيكَ ق...

أمـّاه

  عَجِزَت كَلماتي أمامَكِ يا أمّاه، لا أعرِفُ ماذا أقول، وماذا أكتب، أتساءل، وهل الحُروفُ تُنصِفُ ولو النّصف للتَّعبيرِ عَنكِ يا أمّي؟ هَل أنا كَفؤٌ لأصِفَ نَبعَ حَنانَكِ الذي لا يَنضُب، وحُبُّكِ السَّرمدي لَنا؟  هَل سأُنصِفُ الليالي الطّوال المرهِقةُ التي سهرتِها بجانبي لا رَفيقَ لكِ سوى دُعائك الحارُ كَدموعِ الخوف والحُب التي تَسيلُ مُتمردة على وجنتيكِ الورديتين ؟  هَل سأنصِفُ سِتَةَ عَشرَ عامًا و٩ شهورٍ من الاحتواء والحُبِّ والحنان اللذين أغدقتِهم عَليّ بدونِ أن تتوانَي للحظة؟  تُرى يا أمّي، أينَ سأكونُ أنا إن لَمْ تَكوني؟ هَلْ كنتُ سأصمُدُ مِنَ الأساس؟ هَل كُنتُ لأستَطيعَ تجاوز كُلَّ هذا لو لَم تَكُن لي والدةٌ مِثلُك.  أنتِ لستِ أماً لي فَحسب يا أمي، لَطالَما كُنتِ مِثالي الأعظم وداعمي في هَذِهِ الحياة وفي كُلِّ الظُّروف القاسيةِ التي مَررنا بِها كانَت يَدُكِ تَشدُّ عَلى يَدي قائلةً : سَنكونُ بِخير.  لطالَما مَلَئتِني بالطّاقةِ والتّفاؤل اللذين غالباً ما أفقِدُهُما.  لَم تكوني أمي فحَسب، أنتِ حَبيبتي وصديقَتي الأولى والوحيدةُ يا أمّاه، أنتِ الوحيدة...