اقترب، اقترب أكثر، ما بكَ خائفٌ هكذا؟ هل يُخيفُكَ كُلُّ هذا السَّواد؟ ولكن، كَيفَ يُعقَلُ ذَلِك؟ إنّك تَعيشُ مَعَهُ كُلَّ يوم، تنام وتأكل وتمشي وتَقضي أمورَكَ مَعَ هذا السَّواد، الذي أعيشُ فيهِ أنا، كَيفَ يُعقَلُ أن تَخافَ الآن !؟
اقترب ودَع خَوفَكَ جانِباً، لا تتوتّر، أنتَ عَلى كُلّ حالٍ غيرَ مُخوَّلٍ لهزيمَتي، لا تستطيعُ أن تراني مَطروحاً على الأرضِ، صريعاً كما تتمنى، إنّها مُجرّدُ أُمنيات، والأُمنيات تَبقى في وَحيّ الخَيال.
ألَمْ تَتعرَّف علَيّ بَعدُ؟ أمْ أنّكَ لا تُريدُ ذلِك؟ رُبما تَعرِفُني، لكنّكَ لا تُريدُ أن تُصَدّقَ وجودي. يالَكَ مِن أحمَق، كَيفَ تَحلُمُ بهزيمتي ومُواجَهتي وأنت لا تُؤمن بوجودي؟ هَلْ يُعقَلُ أن تَفوزَ بمَعرَكَةٍ لا تَعرفُ العَدو فيها؟
لا تَقلقْ، سُوفَ أُعَرِّفُكَ بي، لَعلّ لفظَ "لا تقلق" كانَ خاطئاً، ففي النّهايةِ أنا سَيّدُ القلق! على أيّ حال، لا تَهتَم. دَعني أقدّم نَفسي لَكْ، أنا سَيّدُ القلَقِ كَما قُلت، أعيشُ في الأرواحِ التي يُنهِكُها القَلَق، في الوَاقِع، القَلقُ هو أنا، أعرِفُ أنّ الأمرَ مُعقّدٌ بَعضَ الشّيء، لَكِن لا بأس. أنا مَنْ يَجعَلُكَ طريحَ الفِراش، لا المَرض، أنا مَنْ يَفتَكُ بِكَ في رَحمِ تِلْكَ الليالي الطّويلة الحالكة، لا الحُزن، أنا مَنْ يَجعَلُكَ تَقضُمُ أظافِرَك، تُقطّعُ خِصالَ شَعرِك، تَجلِسُ مُتكوّراً، ضامّاً رُكبَتَيكَ إلى أعلى صَدرِك، حانياً رأسَكَ، أنا مَنْ تَنامُ وتستيقظ، وأنتَ تَصرُخُ في وجهه داخِلَ رأسِكَ الصّغير : "توقّف".
أنا مَنْ يُجبِرُكَ عَلى هَرشِ جِلدِك، كَما أننّي أنا مَنْ يَجعَلُكَ تَلعبُ بملابِسِك وتَفرُكُ أظافِرَكَ ببعضِها إذا ما واجَهتَ أحَدَهُم. أنا عَدو النّجاحِ، أنا مَنْ يَصُدّكَ عَن أفكارِكَ المُزهرَةِ ويَدفَعُكَ إلى الرّمادية السّرمَدية. أنا ياعزيزي أتغذى عَلَيك، كَما تَتغذّى أنتَ عَلى اللحوم، أنا لا أعيشُ في الأرواحِ المُنهَكَةِ كَما تَظُن، فذَلِكَ يَبدو مُمِلاً، أنا أعيشُ في الأرواحِ المُزهِرَةِ كَي أنهِكَها، كَي أجعَل مِنْ جُوريّها الأحمَرِ تُحفَةً سوداء، كَي أُلَبّدَ سَماءها الصّافِية، و أستَبدلُ عصافيرَها بغرباني الناعقة، حَتّى إذا ما انتَهت تِلكَ الرّوح، أبحَثُ لي عَنْ أخرى أكثَرَ تَفاؤُلاً وحُبّاً للحياةِ فأضُمُّها هي الأخرى إلى مَجموعَةِ تُحفي.
بقلم راما لول

تعليقات
إرسال تعليق